الشيخ محمد هادي معرفة
340
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
خلاف الظاهر ، فتأخذ الخلاصة من غير اعتبار مفرداتها بالحقيقة والمجاز ، فتعبّر بها عن المقصود ، كما تقول في نحو : « الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى » . « 1 » إنّه كناية عن الملك ، فإنّ الاستواء على السرير لا يكون إلّا مع الملك ، فجعل كناية عنه . وكذا قوله : « وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ » « 2 » كناية عن عظمته وجلاله من غير ذهاب بالقبض واليمين إلى جهتي الحقيقة والمجاز . « 3 » قال - عند الكلام عن آية طه - : لمّا كان الاستواء على العرش - وهو سرير الملك - ممّا يردف الملك جعلوه كناية عن الملك ، فقالوا : استوى فلان على العرش ، يريدون : مَلِك ، وإن لم يقعد على السرير البتة . وقالوه أيضا لشهرته في ذلك المعنى ومساواته « ملك » في مؤدّاه ، وإن كان أشرح وأبسط وأدلّ على صورة الأمر . قال : ونحوه قولك : يد فلان مبسوطة ، ويد فلان مغلولة ، بمعنى أنّه جواد أو بخيل ، لافرق بين العبارتين إلّا فيما قلتُ ، حتى أنّ من لم يبسط يده قطّ بالنوال أو لم تكن له يد رأسا قيل فيه : يده مبسوطة ، لمساواته عندهم مع قولهم : هو جواد . . . ومنه قوله عزّوجلّ : « وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ » « 4 » أي هو بخيل . « بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ » « 5 » أي هو جواد . . . من غير تصوّر يد ولا غلّ ولا بسط . قال : والتفسير بالنعمة ، والتمحّل للتثنية ، من ضيق العطن ، والمسافرة عن علم البيان مسيرة أعوام . « 6 » وقال عن آية الزمر : والغرض من هذا الكلام - إذا أخذته كما هو بجملته ومجموعه - تصوير عظمته والتوقيف على كنه جلاله لاغير ، من غير ذهاب بالقبضة ولا باليمين إلى جهة حقيقة أو جهة مجاز . قال : وزبدة الآية وخلاصتها هي الدلالة على القدرة الباهرة ، وأنّ الأفعال العظام التي
--> ( 1 ) - طه 5 : 20 . ( 2 ) - الزمر 67 : 39 . ( 3 ) - الإتقان ، ج 3 ، ص 145 - 146 . ( 4 ) - المائدة 64 : 5 . ( 5 ) - المائدة 64 : 5 . ( 6 ) - الكشاف ، ج 3 ، ص 52 .